شفق نيوز- بغداد/ واشنطن

رأى متخصصون في الشأن السياسي، أن اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي من العراق يفتح مرحلة جديدة في توازنات البلاد، لكنهم اختلفوا في قراءة ما إذا كان خروج القوات سيعني اتساع هامش القرار العراقي، أم انتقال التنافس والنفوذ إلى أدوات سياسية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية.

ومع انتهاء المرحلة الأخيرة من الانسحاب العسكري الأميركي في 30 أيلول/ سبتمبر 2026، يجد العراق نفسه أمام استحقاق يتجاوز مسألة الوجود العسكري، ليشمل قدرة مؤسسات الدولة على ضبط السلاح، ومواجهة خلايا تنظيم "داعش"، وإدارة علاقاته مع إيران وتركيا والولايات المتحدة والدول العربية، والحفاظ على قرار سياسي مستقل.

وكان الوجود العسكري للتحالف الدولي قد جاء إلى العراق بناء على طلب حكومات عراقية سابقة لمواجهة تنظيم "داعش"، قبل أن تتجه بغداد وواشنطن إلى إعادة تعريف طبيعة العلاقة العسكرية والأمنية بين البلدين مع تراجع التهديد الذي مثله التنظيم وقدرة القوات العراقية على تولي مهام الأمن.

ويقول عضو الحزب الجمهوري الأميركي، مالك عزيز فرنسيس، إن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تعريف للحضور الأميركي أكثر من كونها انسحاباً أميركياً شاملاً.

ويشير خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن واشنطن لا تزال تمتلك أدوات نفوذ عبر العلاقات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية، والتعاون مع مؤسسات الدولة العراقية.

وبحسب فرنسيس، فإن انتقال العلاقة من الوجود العسكري المباشر إلى التعاون الأمني والدبلوماسي والاقتصادي يمكن أن يبقي للولايات المتحدة حضوراً مؤثراً في العراق، حتى بعد اكتمال مراحل الانسحاب العسكري.

وفي المقابل، يرى أن النفوذ الإيراني داخل العراق لا يزال قوياً، بفعل العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، وبسبب ارتباط قوى عراقية بطهران بدرجات متفاوتة.

ويقول إن تغير شكل الحضور الأميركي قد يمنح القوى المرتبطة بإيران مساحة أكبر للحركة، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً شاملاً في موازين القوى.

وتبقى العلاقة بين بغداد وواشنطن عاملاً مهماً في هذا المشهد، إذ يشير فرنسيس إلى استمرار قنوات التواصل والتنسيق بين البلدين، حتى مع إعادة النظر في طبيعة الوجود العسكري الأميركي.

ويرى أن مستقبل العراق سيتأثر كذلك بمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، فإذا نجح الطرفان في الوصول إلى تفاهم سياسي مستدام يخفض مستوى التوتر بينهما، فقد يخفف ذلك الضغوط التي تدفع القوى العراقية إلى الاصطفاف مع أحد الطرفين، وفقاً لما خلص إليه فرنسيس.

تحديات الأمن

وفي هذا السياق، يبين المتحدث باسم ائتلاف الإعمار والتنمية، فراس المسلماوي، أن اكتمال الانسحاب يمثل مؤشراً على تحسن وضع العراق الأمني، قائلاً إن خروج قوات التحالف، بعد إزالة التهديدات وقدرة القوات العراقية على حفظ الأمن، "مؤشر على عافية العراق"، كما أنه يبعث برسالة طمأنة إلى المستثمرين الأجانب.

ويضيف المسلماوي لوكالة شفق نيوز، أن ربط الانسحاب باستمرار التدخل الخارجي لا يستند إلى واقع عمل مؤسسات الدولة، معتبراً أن العراق يعمل وفق مؤسساته الدستورية، وأن جلاء القوات الأجنبية يمكن أن ينعكس إيجاباً على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

كما يرى أن بغداد يمكن أن تؤدي دوراً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين.

لكن انتهاء الوجود العسكري لا يحسم، في نظر آخرين، سؤال النفوذ الخارجي، إذ يبقى ملف السلاح والتحديات الأمنية الداخلية تحدياً رئيسياً أمام الحكومة، إلى جانب المخاوف من استغلال أي ثغرات أمنية من جانب خلايا "داعش"، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها والمناطق القريبة من إقليم كوردستان.

استقلال القرار

وفي الجانب القانوني، يقلل الخبير القانوني، عباس العقابي، من احتمال أن يؤدي انسحاب القوات الأجنبية إلى تغيير مباشر في آلية صنع القرار داخل الدولة، موضحاً أن الانسحاب لا يؤثر في المسألة التشريعية، وأن القوانين والقرارات التشريعية تبقى شأناً عراقياً لا تحكمه إرادة خارجية، سواء كانت أميركية أو غيرها.

ويقول العقابي لوكالة شفق نيوز، إن الأمر نفسه ينطبق على السلطة التنفيذية، مضيفاً أن وجود القوات الأجنبية يختلف عن التمثيل الدبلوماسي، وأن خروج القوات العسكرية لا يعني بالضرورة تغيراً في توازن القوى السياسية داخل العراق.

ويرى أن للانسحاب "إيجابيات أكثر من السلبيات"، في وقت تبقى فيه العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع الدول الأخرى قائمة بأدوات مختلفة عن الوجود العسكري.

غير أن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي والنائب عن كتلة بدر، مختار الموسوي، يقدم قراءة أكثر تحذيراً للمرحلة المقبلة.

ويقول الموسوي لوكالة شفق نيوز، إن هناك تحذيرات عراقية وكوردية وحتى من جانب التحالف بشأن مرحلة ما بعد الانسحاب، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق بالوجود العسكري وحده، بل بمدى استقلال القرار السياسي العراقي.

وينتقد ما يصفه بانتظار بعض القوى السياسية لما يأتيها من الخارج، متسائلاً: "فأين هي السيادة التي احتفل بها العراق؟".

الوجود الأجنبي

أما السياسي المستقل وأحد شيوخ العشائر العربية في المحافظات الغربية، مزاحم الحويت، فيرى أن خروج القوات الأجنبية يمثل استعادة للسيادة العراقية، ويعتقد أن العراق أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراته بعيداً عن "الهيمنة الخارجية التي أثرت في الحكومات السابقة".

ويقول الحويت لوكالة شفق نيوز، إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجه إلى توحيد القوى السياسية داخل البيت الشيعي والكوردي والسني، وتعزيز التفاهم بين مختلف المكونات، معتبراً أن ذلك يمكن أن يفتح الطريق أمام خطوات لمعالجة معاناة العراقيين.

وفي الوقت نفسه، يدعو الحكومة إلى العمل على إنهاء وجود القوات التركية في العراق، باعتبار أن اكتمال خروج القوات الأجنبية يمثل استكمالاً لاستعادة السيادة.

ويأتي ملف القوات التركية في وقت تعمل فيه بغداد على إعادة تنظيم وجودها وعلاقاتها الأمنية مع أنقرة، بما في ذلك ملف قاعدة بعشيقة، في إطار أوسع يتعلق بتثبيت قدرة الدولة العراقية على إدارة أراضيها وعلاقاتها الإقليمية.