شفق نيوز- كرمانشاه

في المرتفعات الغربية لإيران، تتداخل تضاريس جبال زاغروس مع تاريخ شفاهي ضارب في القدم، لا تُقاس الموسيقى بالنغم والإيقاع وحدهما، بل بما تختزنه من ذاكرة جمعية، وما تؤديه من دور في مرافقة الإنسان خلال أكثر لحظات حياته فرحاً وحزناً.

وفي قلب هذه البيئة الثقافية، تبرز آلة "الدهل" بوصفها أكثر من مجرد أداة إيقاعية، فهي شاهد موسيقي رافق سكان المنطقة في ثنائيات الحياة المتناقضة، من الفرح إلى الحزن، ومن الاحتفال إلى القتال، ومن الميلاد إلى الرحيل.

وبحسب تقرير لوكالة فارس، ترجمته وكالة شفق نيوز، فإن "الدهل"، رغم تراجع العديد من الفنون التقليدية تحت تأثير التحولات الاجتماعية والتمدن، لا يزال حاضراً في قرى ومجتمعات كرمانشاه، متنقلاً بين إيقاعات الأعراس وطقوس "تشَمَري" الجنائزية.

صوت من جلد وخشب

يتكون "الدهل" من جسم أسطواني كبير مشدود عليه غشاءان جلديان، ويعلقه العازف على كتفه بواسطة حزام، فيما يستخدم للقرع عليه مضربين مختلفين في الحجم والوظيفة.

ويُستخدم المضرب السميك في اليد اليمنى لإنتاج الضربات العميقة والبطيئة التي ترسم الإيقاع الأساسي، فيما يتولى المضرب الرفيع والمرن في اليد الأخرى توليد ضربات أسرع وأكثر تقطعاً، تمنح الإيقاع زخرفته وحركته.

وعندما يلتقي الصوت العميق للدهل بالنبرة الحادة لآلة "السرنا"، وهي من آلات النفخ التقليدية، يتشكل أحد أكثر الثنائيات الموسيقية ارتباطاً بالهوية السمعية في مناطق واسعة من غرب إيران وكوردستان.

ويرى الباحث في التراث الشعبي والإثنوغرافيا نصرت الله سِپِهر أن إحدى السمات الأساسية للموسيقى في كرمانشاه والمجتمعات الكوردية تكمن في تداخل جذورها الطقسية، إذ يلتقي فيها "البزم"، بمعنى مجالس الأنس والاحتفال، مع "الرزم"، المرتبط بالحماسة والملاحم والقتال.

ويشير سِپِهر إلى أن الموسيقى التقليدية في المنطقة لم تفصل بصورة حادة بين السلم والحرب، فالآلة التي كانت تبعث الحماسة وتجمع الصفوف في أوقات المواجهة، هي نفسها التي تقود الإيقاع وتجمع الناس في ساحات الأعراس والاحتفالات.

ويتجسد هذا التداخل بوضوح في "هَلپَركه"، وهي رقصة جماعية كوردية لا تقتصر وظيفتها على الترفيه، بل تحمل في حركاتها وإيقاعاتها دلالات اجتماعية وتاريخية.

ففي "هَلپَركه"، تصبح ضربات الدهل أشبه ببوصلة تضبط حركة الصف، وتحدد سرعته وانتقالاته، بينما تتناغم حركة الأقدام والأجساد مع تبدلات الإيقاع، في مشاهد يمكن أن تحاكي رمزياً التقدم والتراجع والثبات والانتصار.

وهكذا تتحول الرقصة إلى سرد جماعي صامت، تكون فيه الموسيقى والحركة والصف المتماسك أجزاء من حكاية واحدة.

من الملاحم إلى طقوس الرحيل

ولا تقتصر وظيفة "الدهل" على الاحتفال والرقص، إذ يظهر وجه آخر للآلة في طقوس الحزن والموت.

وتتقاطع بعض تقاليد الرثاء والحماسة في كرمانشاه مع الموروث الملحمي الكوردي والفارسي، بما في ذلك التراث الشفاهي المرتبط بـ"الشاهنامه" ورمزية "مأتم سياوش"، التي أصبحت عبر التاريخ تعبيراً عن الفقد والتضحية والموت المأساوي.

وفي طقس "تشَمَري" الجنائزي، تتغير وظيفة الدهل كلياً. تتباطأ الضربات، وتنخفض حدة الإيقاع، ليتحول الصوت الذي قاد قبل ذلك حلقات الرقص إلى إيقاع يرافق المشيعين.

وهنا لا يبقى الموت حدثاً فردياً يخص أسرة الراحل وحدها، بل يتحول عبر الموسيقى والطقس الجماعي إلى لحظة تشارك فيها الجماعة حزنها وتستدعي من خلالها ذاكرتها وموروثها.

ورغم التحولات التي شهدتها كرمانشاه، واتساع المدن وتراجع جانب من أنماط الحياة الريفية والعشائرية، لم يتحول "الدهل" إلى قطعة جامدة محفوظة في المتاحف، بل بقي جزءاً من الحياة الاجتماعية في عدد من مناطق المحافظة.

وتكمن قوة هذه الآلة في قدرتها على تغيير لغتها من دون أن تفقد هويتها. ففي العرس تسرع ضرباتها لتقود الرقص، وفي طقوس الحداد تتباطأ لترافق الحزن، وفي الموروث الملحمي تستعيد وظيفتها القديمة في إثارة الحماسة وجمع الصفوف.

وبين الفرح والموت، ظل جلد "الدهل" يحمل إيقاع أجيال متعاقبة، وكأن كل ضربة عليه تستعيد جزءاً من ذاكرة مجتمع وجد في الموسيقى وسيلة لرواية حكايته حين لا تكفي الكلمات.