حين يمرُّ المرء اليوم بمحاذاة نهرَيْ دجلة والفرات، لا يشمّ سوى روائح المخلّفات، التي تتكسَّر على صفحتها هواجس مواطنين باتوا يخشون حتى جرعة الماء التي ترويهم.
لم يَعُدْ ملفُّ التلوُّث المائيِّ في العراق مجرَّد تقارير عابرةٍ تُؤجِّلها الاجتماعات، بل تحوَّل إلى ناقوس خطرٍ يدقُّ في جسد البيئة والصحَّة العامَّة. “لقد تجاوزنا مرحلة التحذيرات منذ أعوامٍ، والموقف اليوم بات متأخّراً جدّاً”؛ بهذه الكلمات يبدأ الخبير المائيُّ والبيئيُّ، تحسين الموسوي، حديثه للصحيفة الرسمية، مستحضراً تقارير وصفها بـ”الصادمة” تعود لأعوامٍ سابقةٍ تُوثّق احتواء مياه دجلة قرب الرستميَّة على موادَّ بتروكيمياويَّةٍ مسرطنةٍ.
ويروي الموسوي تفاصيل الفجوة الهائلة، فمحطات بغداد القديمة أقيمتْ على أساس تعدادٍ سكانيٍّ لا يتجاوز (1.5) مليون نسمة، بينما تتدفّق اليوم نحو ثلاثة ملايين مترٍ مكعّبٍ من مياه الصرف الصحيِّ يوميّاً، لتقف محطات المعالجة عاجزةً أمام هذا الطوفان، دافعةً بالجزء الأكبر منه مباشرةً إلى أحضان النهر، تزامناً مع تزايد مؤشّرات الفشل الكلويِّ والأمراض السرطانيَّة.
وليس بعيداً عن صرخة الخبراء، يقف الناشط البيئيُّ أنس الطائي ليروي فصلاً آخر من الأزمة، مشيراً إلى أنَّ مياه التنظيف والمخلّفات الطبيَّة لبعض المعامل والمستشفيات ما زالتْ تشقُّ طريقها إلى النهر بلا معالجة، وسط غيابٍ لتطبيق الضوابط البيئيَّة، بينما يعيش المواطنون هلعاً يوميّاً من تغيّر نوعيَّة المياه وطعمها، مناشدين بتحرُّكٍ يُوقف هذا النزيف البيئيَّ.
ظهرت المقالة خبير بيئي : دجلة والفرات يختنقان بمخلفات الصرف الصحي أولاً على وكالة اخر الاخبار.