شفق نيوز- ترجمة خاصة

يكمن الخطر الأكبر الذي يواجه الاقتصاد العراقي، بحسب معهد "مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية"، في أن مجموعة من نقاط الضعف التي تراكمت طوال عقود بدأت تعمل في الوقت نفسه مثل اقتصاد شديد الاعتماد على النفط، وموازنة مثقلة بالإنفاق الجاري، وقاعدة إنتاجية غير نفطية محدودة، واعتماد واسع على الاستيراد، ومنافذ تصدير لا تزال غير متنوعة بالقدر الذي يسمح للاقتصاد بامتصاص صدمة جيوسياسية كبيرة.

واعتبر "مركز الروابط"، الذي يتخذ من عمّان مقراً، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن خطورة الأزمة الاقتصادية في العراق لا تكمن في انخفاض إيرادات النفط وحده، ولا في ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، ولا حتى في تسجيل انكماش اقتصادي حاد خلال العام 2026.

وبحسب المركز، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار العراقي لم يعد يتعلق بماذا يحدث إذا انخفض سعر النفط؟ بل أصبح أكثر تعقيداً وخطورة، وهو: "ماذا يحدث إذا بقي النفط موجوداً، وبقي الطلب العالمي عليه قائماً، لكن العراق لم يستطع تصدير الكميات الكافية منه بالكلفة والسرعة المعتادتين؟".

وأوضح التقرير أن الأزمة الإقليمية واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز كشفاً أن أمن الاقتصاد العراقي لا يعتمد فقط على حجم الاحتياطي النفطي أو مستوى الأسعار العالمية، وإنما على السلسلة الكاملة التي تحوّل البرميل من مورد تحت الأرض إلى دولار يدخل الخزينة، مضيفاً أن أي اختناق في هذه السلسلة ينتقل سريعًا من قطاع النفط إلى الموازنة، ثم إلى الاستثمار الحكومي والسيولة والأسواق وسعر الصرف ومستوى معيشة المواطن.

وأشار إلى أن الأرقام المتاحة في سبتمبر/أيلول 2026 تعطي هذا التحذير وزنًا أكبر، لافتاً إلى أن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية توقع انكماش الاقتصاد العراقي بنحو 12% خلال 2026، رابطاً ذلك بصورة أساسية بالاضطرابات الإقليمية وتعطل الصادرات النفطية، في حين تشير بيانات البنك الدولي إلى أن النفط شكّل في 2025 نحو 88% من الإيرادات الحكومية و91% من صادرات السلع.

وتابع التقرير، قائلًا إنه من الخطأ الانتقال من هذه المؤشرات إلى الحديث عن انهيار وشيك، وذلك لأن العراق ما زال يمتلك احتياطيات دولية كبيرة، وقدّرها البنك الدولي بنحو 98.7 مليار دولار في فبراير/شباط 2026، وهي تمثل خط دفاع مهماً أمام الصدمات، مبيناً أن الاحتياطيات، مهما بلغ حجمها، ليست إيراداً دائماً، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها بديلاً عن التدفقات النفطية المستمرة.

وأضاف أن "الاحتياطي يمنح الدولة وقتاً لإدارة الأزمة وإعادة ترتيب الأولويات، أما إذا تحوّل إلى أداة لتمويل اختلال هيكلي طويل الأمد، فإن السؤال ينتقل تدريجياً من حجم الاحتياطي إلى سرعة استنزافه، وهنا تحديداً يبدأ الخطر القادم".

وحذّر التقرير من أنه إذا استمرت الصادرات دون مستوياتها الطبيعية لفترة طويلة، فإن الخيارات تصبح أكثر صعوبة، بما فيها زيادة الاقتراض، وتأجيل المشاريع الاستثمارية، واستخدام جزء أكبر من الاحتياطيات، والبحث عن إيرادات إضافية، أو إعادة ترتيب الإنفاق.

أما الخطر الثاني، بحسب الموقع، فهو انتقال الأزمة من المالية العامة إلى حياة المواطن، حيث يعتمد الاقتصاد على الاستيراد بدرجة كبيرة، ما قد يؤثر في أسعار الغذاء والدواء والمواد الاستهلاكية.

أما الخطر الثالث، كما قال التقرير، وهو ربما الأكثر استراتيجية، فهو ما كشفته أزمة طرق التصدير، موضحًا أن اقتصادًا يعتمد على النفط ولا يمتلك شبكة كافية من المسارات البديلة يظل معرضًا لما يمكن تسميته "مخاطر الممر الواحد".

ولهذا، اعتبر أن ما يجب القيام به الآن هو الفصل بين إدارة الأزمة وإصلاح الاقتصاد، موضحًا أن إدارة الأزمة تبدأ بحماية الاحتياطيات الأجنبية، وضبط الإنفاق الأقل أولوية، وضمان تمويل الغذاء والدواء والخدمات والرواتب الأساسية، ومنع المضاربة غير المنضبطة على العملة، وتأمين المخزونات الاستراتيجية، وتسريع الخيارات البديلة لتصدير النفط.

كما دعا إلى إعداد سيناريوهات مالية واضحة مبنية على مدة الأزمة، لا على افتراض أنها ستنتهي قريباً، بما في ذلك: ماذا ستفعل الدولة إذا استمرت ثلاثة أشهر إضافية؟ وماذا لو استمرت ستة أشهر؟ وما النفقات التي ستتم حمايتها، وما الذي يمكن تأجيله، وما سقف الاقتراض المقبول؟ مشيراً إلى أن إدارة الاقتصاد في زمن عدم اليقين تحتاج إلى خطط متعددة، لا إلى موازنة مبنية على سيناريو واحد متفائل.

وأوضح أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يدرك العراق أن التنويع الاقتصادي لم يعد مشروعاً تنموياً اختيارياً، بل أصبح قضية أمن اقتصادي.

وخلص القول: "أخطر قرار يمكن اتخاذه بعد انتهاء الأزمة هو العودة إلى ما كان عليه الوضع قبلها"، موضحاً أن ارتفاع النفط مستقبلًا قد يعيد الإيرادات ويملأ الخزينة ويخفف الضغط على الدينار، إلا أنه لن يزيل نقطة الضعف التي كشفتها 2026.

وختم التقرير قائلًا إن "العراق يمتلك واحداً من أهم الموارد النفطية في العالم، لكنه يحتاج الآن إلى تحويل هذه الثروة من مصدر للاعتماد إلى قاعدة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على المقاومة"، مبيناً أن "السنوات المقبلة يجب ألا تكون سنوات انتظار عودة الاستقرار، بل سنوات بناء البدائل، لأن الأزمات لا تصبح كوارث عندما تبدأ وإنما تصبح كذلك عندما تكشف نقاط الضعف ثم تنتهي من دون أن يتغير شيء".