شفق نيوز- بغداد/ أربيل/ لندن
تتصاعد في إقليم كوردستان المخاوف من تداعيات انسحاب التحالف الدولي من العراق، المقرر غداً الأربعاء 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطراباً أمنياً متواصلاً وتتعرض مدن ومواقع في الإقليم لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويرى مراقبون أن هذه المخاوف مبررة في ضوء سجل الهجمات التي تعرض لها الإقليم خلال الأشهر الماضية، حتى في ظل وجود القوات الأميركية وقوات التحالف.
في المقابل، ترى بغداد أن الانسحاب يأتي ضمن تفاهمات معلنة مع واشنطن منذ عام 2024، وأن القوات العراقية باتت تتحمل بصورة متزايدة مسؤولية الأمن والدفاع عن البلاد.
وكانت واشنطن قد أكدت في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري، أن عملية الانسحاب تسير وفق الجدول المتفق عليه، مع انتقال العلاقة إلى شراكة أمنية ثنائية.
إلى إنجرليك
في أحدث تطور، كشف مصدر أمني عراقي، عن اكتمال انسحاب القوات الأميركية من إقليم كوردستان بصورة كاملة، مشيراً إلى أن عملية الانسحاب ونقل المعدات جرت عبر محافظة دهوك ومنفذ إبراهيم الخليل الحدودي باتجاه الأراضي التركية.
وأبلغ المصدر وكالة شفق نيوز، بأن جميع المعدات الموجودة في مدينة أربيل جرى نقلها إلى قاعدة الدعم اللوجستي الأميركية في تركيا، وتحديداً قاعدة إنجرليك الجوية، بعد استكمال عملية إخراجها من مواقعها في إقليم كوردستان.
وأوضح أن عملية الانسحاب شملت نقل المعدات والمستلزمات العسكرية عبر الطرق البرية في محافظة دهوك، وصولاً إلى منفذ إبراهيم الخليل الحدودي، ومنه إلى الأراضي التركية، ضمن الإجراءات المرتبطة بإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق.
وتُعد قاعدة إنجرليك الجوية، الواقعة قرب مدينة أضنة جنوبي تركيا، من أبرز المنشآت العسكرية التي تستخدمها الولايات المتحدة في المنطقة، وقد أنشئت مطلع خمسينيات القرن الماضي بالتعاون مع تركيا، ولعبت خلال العقود الماضية دوراً في عمليات النقل والإسناد الجوي والعمليات المرتبطة بالعراق والشرق الأوسط.
هجمات متواصلة
من جانبها، قالت وزارة البيشمركة، إن انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف يأتي في "وقت حساس"، مشيرة إلى أن إقليم كوردستان تعرض خلال الحرب الأميركية-الإيرانية في الأشهر الماضية لأكثر من ألف هجوم بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، أسفر بعضها عن سقوط ضحايا وأضرار مادية.
وأضافت الوزارة في بيان ورد لوكالة شفق نيوز، أن مغادرة القوات الأميركية من دون توفير منظومة دفاعية للإقليم "يبعث على القلق"، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن حماية أجواء كوردستان، باعتبارها جزءاً من الأجواء العراقية، تقع ضمن مسؤولية الحكومة الاتحادية، مؤكدة استمرار التنسيق بين قوات البيشمركة والجيش العراقي واستعدادها لمواجهة أي تطورات أمنية.
ويأتي هذا التحذير في يوم شهد فيه الإقليم هجوماً جديداً؛ إذ أعلن جهاز أمن كوردستان، الاثنين، تعرض مخيم آزادي في قضاء كويسنجق لهجوم بثلاث طائرات مسيّرة بين الساعة 01:40 و02:10 فجراً، من دون تسجيل خسائر بشرية.
ويؤوي المخيم عائلات مقاتلي الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، فيما لم يصدر تأكيد مستقل بشأن الجهة التي نفذت الهجوم.
ويضاف الهجوم إلى سلسلة استهدافات طالت مواقع المعارضة الكوردية الإيرانية خلال الأشهر الماضية.
مخاوف ما بعد الانسحاب
في هذا السياق، يرى الخبير الاستراتيجي، أحمد الشريفي، أن الانسحاب الأميركي سيترك فجوات في القدرات القتالية والتقنية العراقية، معتبراً أن امتلاك الموارد البشرية وحده لا يكفي في الحروب الحديثة التي تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والاستطلاع والحرب الإلكترونية والقدرات المتقدمة.
لكن الشريفي يميز خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، بين انتهاء المهمة العسكرية للتحالف وبين استمرار النفوذ والقدرة الأميركية في المنطقة.
ويقول إن التحالف، الذي تشكل أساساً لمحاربة تنظيم "داعش" عام 2014، كان قد بدأ منذ عام 2017 تقليص حضوره تدريجياً، وإن مغادرته بصورته الحالية لا تمثل وحدها جوهر المشكلة، بقدر ما يتعلق الأمر باستمرار الدعم والقدرات الأميركية.
ويضيف أن الولايات المتحدة أعادت تموضعها إقليمياً لأسباب أمنية واستراتيجية، وأن وجود قوات وطائرات أميركية في دول ومواقع أخرى في المنطقة يتيح لواشنطن إمكانية إسناد العراق عند الضرورة، بما في ذلك عبر قدرات الاستطلاع والحرب الإلكترونية والدعم الجوي.
ويعتبر الشريفي أن مخاوف إقليم كوردستان "في مكانها"، لأن الإقليم تعرض لهجمات من تركيا وإيران حتى خلال وجود القوات الأميركية والتحالف، لكنه يحذر من أن الاعتماد بعد الانسحاب سيزداد على المؤسسات العراقية التي "لا تزال غير قادرة" على ردع جميع أشكال الاعتداء على الإقليم.
ويؤكد أن حماية الإقليم ليست مسؤولية قوات البيشمركة وحدها، بل مسؤولية سيادية تقع على الحكومة الاتحادية ووزارة الدفاع، موضحاً أن البيشمركة مصنفة دستورياً قوة لحماية الإقليم، بينما تبقى حماية المجال الجوي والسيادة الوطنية من اختصاص الدولة الاتحادية.
ومع ذلك، يستبعد الشريفي حدوث "فراغ" كامل، متوقعاً بقاء قدرة أميركية إقليمية على التدخل إذا استدعت التطورات ذلك.
فجوة الجاهزية
ويتفق المحلل السياسي في أربيل، محمد زنكنة، مع وجود فجوة بين قرار الانسحاب وبين مستوى جاهزية المنظومة الدفاعية العراقية.
ويقول زنكنة لوكالة شفق نيوز، إن الانسحاب كان ينبغي أن يتزامن مع منظومة دفاعية قادرة على حماية الأجواء والحدود والأراضي العراقية، وبعيدة عن التجاذبات السياسية.
ويرى أن عدم وجود ضمانات واضحة من الحكومة الاتحادية لحماية إقليم كوردستان، إلى جانب هشاشة العملية السياسية وتعدد مراكز القوة والسلاح، يفسر جانباً أساسياً من القلق في أربيل.
ويستعيد زنكنة في هذا السياق تجربة عام 2011، عندما انسحبت القوات الأميركية، قبل أن يؤدي انهيار أمني لاحق إلى اجتياح تنظيم "داعش" مساحات واسعة من العراق في حزيران/ يونيو 2014.
قلق يتجاوز كوردستان
بدوره، يشير الكاتب والمحلل السياسي، علي البيدر، إلى أن المخاوف الكوردية لا تنطلق من فراغ، معتبراً أن قطاعات شعبية ونخبوية سنية تشارك جزءاً من هذه الهواجس، في ظل الوضع الإقليمي المضطرب والتجربة الأمنية السابقة للعراق.
ويربط البيدر خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، بين المخاوف الحالية والتصريحات الأخيرة لرئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، قائلاً إن ما يطرحانه يستحق الدراسة في ضوء التطورات الأمنية.
ويرى أن الهجوم الذي تعرض له أربيل، الاثنين، يمثل دليلاً على أن المخاطر الأمنية لم تختف، مضيفاً أن العراق قد يحتاج إلى الدعم الأميركي مجدداً إذا لم تصل قدراته الذاتية إلى مستوى الجهوزية الكاملة.
سيناريو 2011
وكان مسعود بارزاني قد حذر في مقابلة تلفزيونية من تكرار سيناريو ما بعد الانسحاب الأميركي عام 2011، مستذكراً النقاشات التي جرت آنذاك حول قدرة القوات العراقية على تولي مسؤولية الأمن بصورة كاملة.
وقال مسعود بارزاني لقناة "الشرقية" أمس الأحد، إن القوات الأميركية غادرت في 2011، ثم ظهر "داعش" بعد ثلاث سنوات، قبل أن تضطر بغداد إلى طلب المساعدة الدولية مجدداً في 2014، لكنه أقر بأن الظروف الحالية تختلف عن ظروف تلك المرحلة.
أما رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، فقد وصف في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية توقيت الانسحاب بأنه شديد الحساسية، وحذر من ترك الإقليم من دون منظومة دفاع جوي مناسبة.
غير أن مكتب رئيس حكومة الإقليم عاد، أمس الأحد، ليعترض على ما وصفه بعدم الدقة في عرض بعض مضامين المقابلة، مؤكداً أن جوهر موقف بارزاني يتمثل في القلق من ترك الإقليم من دون وسائل دفاعية كافية في الظروف الحالية.
هاجس البلقنة
ويأتي القلق الكوردي أيضاً في سياق إقليمي أوسع، فالباحث والمحاضر في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، يرى أن ما جرى في سوريا، ولا سيما المسار المتعلق بدمج قوات سوريا الديمقراطية المنحلة ضمن مؤسسات الدولة السورية، يمثل عاملاً مؤثراً في حسابات القوى الكوردية في العراق.
ويقول الهيتي لوكالة شفق نيوز، إن مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد يتأثر أيضاً بالخلافات داخل البيت السياسي الكوردي نفسه، وباختلاف مقاربات الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني تجاه المركز في بغداد.
كما يربط النقاش الأميركي حول خطر "البلقنة" في العراق بمسألة حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم العلاقة بين القوى المسلحة ومؤسسات الدولة.
وبحسب هذا التفسير، فإن التحذير من "البلقنة" لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تقسيم العراق جغرافياً، بل يمكن فهمه، وفق الهيتي، باعتباره تحذيراً من تفكك مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القرار الأمني والسياسي، مع ضغط باتجاه إعادة تنظيم السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
مسار السيادة
في المقابل، ترفض قوى سياسية في بغداد تصوير الانسحاب باعتباره بداية لفراغ أمني، حيث يقول فهد الجبوري، القيادي في تيار الحكمة المنضوي ضمن الإطار التنسيقي، إن قرار إنهاء مهمة التحالف نوقش داخل ائتلاف إدارة الدولة وجرى الاتفاق على جدوله وآلياته، مؤكداً أن الحكومة العراقية تعمل على تعزيز السيادة الجوية وشراء منظومات دفاع جوي.
ويضيف الجبوري لوكالة شفق نيوز، أن الدولة العراقية تمتلك مؤسسات أمنية واستخبارية ولوجستية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية، وأن المخاوف من مرحلة ما بعد الانسحاب ستتراجع مع دخول الموعد النهائي في 30 أيلول/ سبتمبر الجاري.
وتتزامن هذه التطورات مع إعلان بغداد في 24 أيلول/ سبتمبر الجاري، اتفاقاً مع تركيا على نقل السيطرة تدريجياً على قاعدة زليكان في بعشيقة إلى الحكومة الاتحادية، في خطوة قالت إنها تأتي ضمن تعزيز سيادة الدولة على أراضيها.
وفي 21 أيلول/ سبتمبر الجاري، أعلنت رئاسة إقليم كوردستان بدء إجراءات توحيد قوات البيشمركة ضمن وزارة البيشمركة، بالتزامن مع اقتراب موعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف.
واعتُبرت الخطوة جزءاً من جهود تعزيز البنية الدفاعية للإقليم في مرحلة ما بعد التحالف.
ويبرز بالتوازي ملف شائك يتمثل في حصر السلاح بيد الدولة، إذ ربطت الحكومة العراقية انتهاء مهمة التحالف بمرحلة جديدة من تعزيز سيادة الدولة، فيما لا تزال المفاوضات بشأن تنظيم سلاح الفصائل المسلحة مستمرة، وسط تباين في المواقف بشأن آليات التنفيذ ومدته.