علي حسين فيلي
كان إجبار الإنسان على تغيير اسمه، على الدوام، أداة سياسية صارمة لمحو الجذور الثقافية للشعوب. وفي التاريخ العراقي الحديث، لم تكن تسمية المواليد مجرد اختيار بضعة أحرف للتعريف بالفرد في سجلات الأحوال المدنية، بل تحولت إلى معيار لهيمنة الدولة وميدان صامت للصراع الثقافي.
وبالنسبة إلى الكورد الفيليين في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، تجاوزت مسألة تسمية الأطفال، منذ زمن بعيد، حدود رغبة الأسر، وتحولت إلى اختبار معقد ذي أبعاد أمنية وثقافية وديموغرافية تتصل بالبقاء.
فحتى ما قبل سبعينيات القرن الماضي، استندت أسماء المواليد لدى الكورد الفيليين، بصورة طبيعية، إلى جذور لهجتهم وبيئة زاغروس. ولم تكن أسماء مثل: مردان (مەردان، Merdan)، وبرزو (بەرزوو، Barzû)، وشَكْرَة (شەکرە، Shakra)، وكشور (کیشوەر، Kishwar)، وكورجي (گورجی، Gorji)، وشابري (شاپەری، Shaperi)، ومرايجان (مرایجان، Merayjan)، وباولي (باوەلی، Bawali)، وماولي (ماوەلی، Mawali)، وجمشير (جەمشیر، Jamshir)، وخانباوه (خانباوە، Khanbawa)، وعليمراد (ئەلیمرای، Alimray)، وشافروز (شافرووز، Shafruz)، وكوكي (کەوکی، Kawki)، وقلي (قولی، Quli)، ورنكينه (ڕەنگینە، Rangina)، وشاولي (شاوەلی، Shawali)، وخداداد (خودادای، Khudaday)، وكولمامي (گوڵمامەی، Gulmamay)، وخسرو (خەسرەو، Khasraw)، وجهان (جەهان، Jahan)، وجهانكير (جەهانگیر، Jahangir)، وقنه (قەنە، Qana)، وروستم (ڕوستەم، Rustam)، وجوامير (جوامێر، Jwamer)، وجيري (جەیری، Jairi)، وفلامرز (فەلامەرز، Falamrz)، وشفي (شەفی، Shafi)، وآهو (ئاهوو، Ahu)، والتونه (ئاڵتونە، Altuna)، وكسمراد (کەسمرای، Kasmray)، وحشمت (هشمەت، Hishmat)، وفتالي (فەتالی، Fatali)، وسوزه (سەوزە، Sawza)، وشاليار (شالیار، Shalyar)، وقيتاس (قەیتاس، Qaytas)، وغيرها، أسماءً اعتيادية متداولة فحسب، بل كانت وسيلة لاستعادة الذاكرة الثقافية. لكن مع تنامي أيديولوجية البعث تدريجياً، تحول هذا التمايز اللغوي إلى مجال للتمييز البنيوي.
وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، استخدمت الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق الأسماء الكوردية الأصيلة أدلةً على "عدم عراقية" حامليها. وفي سياق حملات التعريب والتهجير القسري للكورد الفيليين، كان حمل اسم كوردي كافياً أحياناً لإلصاق تهمة عدم الولاء للوطن بصاحبه.
واعتمدت دوائر الأحوال المدنية قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل لمنع تسجيل الأسماء غير العربية. وفي مرحلة لاحقة، خلال تسعينيات القرن الماضي، حُظر تسجيل الأسماء المركبة التي كانت شائعة بين الكورد الفيليين.
وأمام هذا الواقع، اضطر الكورد الفيليون إلى تسوية قسرية، إذ أصبح اختيار أسماء عربية أو إسلامية للمواليد الجدد خط دفاع إدارياً يتيح لهم الحفاظ على أبسط حقوقهم في الحياة والدراسة والعمل في بغداد ومناطق أخرى. وكان هذا السلوك الدفاعي ضرورياً لتقليل الأضرار اليومية، لكنه أسهم على المدى البعيد في تراجع التحدث باللغة الأم، وابتعاد الجيل الجديد عن الأسماء العريقة الأصيلة.
وبعد إقرار الدستور العراقي عام 2005، أصبحت اللغة الكوردية، بموجب المادة الرابعة منه، لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وأُلغيت النصوص القانونية القديمة. ومع ذلك، ما تزال البنية الإدارية لدوائر الأحوال المدنية تحمل آثار ذلك الإطار الفكري السابق.
ويُلاحظ حالياً أن المجتمع الفيلي يتجه إلى معالجة هذه الإشكالات الإدارية والاجتماعية بوسائل عملية، بعيداً عن إطلاق الشعارات. فمن جهة، أصبح تثبيت أسماء العشائر، مثل ملكشاهي وزركوشي وأركوازي وسوره ميري وغيرها، في الوثائق الرسمية معياراً قانونياً وديموغرافياً معترفاً به، وقد يسهم في الحفاظ على الأصالة القومية من دون تعريض الفرد مباشرةً للعقبات المرتبطة باختيار اسمه الأول.
ومن جهة أخرى، بات اللجوء إلى الأسماء الكوردية المشتركة، ذات اللفظ السهل والمألوف في بيئة عربية، خياراً متداولاً، يُرجى أن يحدّ من التمييز الإداري وسوء الفهم في التعامل اليومي.