بإعلان هيئة النزاهة الاتحادية القبض على عشرة موظفين يعملون في أحد مستشفيات مدينة السماوة بمحافظة المثنى بتهمة التلاعب بوصولات القبض واختلاس الأجور، فان ذلك الحدث تزامن مع زيارة وزير الصحة إلى مستشفى الأمل للأورام ببغداد، وقيل ان الوزير عثر في جولته على أدوية ومستلزمات منقذة للحياة وأدوية أورام مخزنة ولا تصرف للمرضى الذين يضطرون لشرائها من الخارج؛ وقيل له ايضا أن الأدوية يجري جلبها إلى المخازن بصورة اعتيادية.
وفي الحقيقة يتحدث عاملون في مستشفيات العراق عن قيام بعض الموظفين المحسوبين على "الطبابة" حتى في صيدليات الدوائر الاعتيادية بسرقة الأدوية المهمة التي تأتي إلى صيدلياتهم ويزورون اوراق الادخال والإخراج للأدوية، ويتلاعبون بوصفات وكميات الادوية للمراجعين المرضى، ليستولوا على ما يشاؤون من الأدوية المهمة فيما يبقون على الأدوية الرخيصة ومنها أدوية الصداع والاسبرين والزكام وغير ذلك.
هذا من أكثر الملفات حساسية وخطورة في قطاع الخدمات العامة في العراق، وهو ملف الفساد الدوائي والإداري الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة الناس، وتحديدا الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل التي تعتمد كليا على المؤسسات الصحية الحكومية.
إن قضية التلاعب بوصولات القبض في السماوة، وما كشف في مستشفى الأمل للأورام ببغداد، ليست سوى أعراض لمرض إداري وهيكلي أعمق يعاني منه النظام الصحي العراقي.
تستند عمليات التلاعب واختلاس الأدوية والمستلزمات الطبية في المستشفيات والمراكز الصحية وفي اقسام الطبابة في الدوائر الاعتيادية إلى ثغرات في حلقة الإمداد والرقابة، وتجري غالبا عبر التلاعب بسجلات الإدخال والإخراج باستعمال السجل الوهمي فإثبات دخول شحنات الأدوية المهمة وبخاصة أدوية السرطان، والأمراض المزمنة، والمستلزمات منقذة الحياة، في السجلات الرسمية يكون شكليا، فيما يجري تحويل مسارها الفعلي الى خارج أسوار المستشفى.
أسلوب السرقة الآخر الذي يجري هو استعمال أوامر إخراج مخزنية وهمية تنسب زورا إلى أقسام أو ردهات بحجة الاستهلاك اليومي. كما يجري التلاعب بالوصفات الطبية والمراجعين بتسجيل صرف أدوية مهمة وباهظة الثمن في سجلات المستفيدين بأسماء مرضى وهميين أو عبر تكرار أسماء حقيقية من دون علمهم.
يجري إعطاء المريض أدوية رخيصة ومتوفرة بكثرة كالباراسيتامول أو المسكنات البسيطة، فيما يزعم له أن الأدوية التخصصية أو المنقذة للحياة نفدت، لتوجيهه نحو شرائها من صيدليات أهلية مرتبطة بشبكات الفساد ذاتها.
ويجري لتنفيذ ذلك استغلال غياب الرقابة الرقمية الموحدة بالاعتماد على السجلات الورقية والدفاتر اليدوية في إدارة المخازن والصيدليات الفرعية، مما يسهل عملية تمزيق الصفحات أو حك التواقيع والتلاعب بالأرقام من دون ترك أثر رقمي قابل للتتبع، كما تتواجد شبكات ضغط تضم موظفي مخازن وطبابة، وصيادلة، وموظفي إحصاء أو حراس أمن، تعمل بتناغم لتغطية العجز المخزني وإعداد تقارير كاذبة تفيد بالاستهلاك الاعتيادي أو انتهاء الصلاحية وإتلاف الأدوية.
ولكسر هذه الحلقات وتوفير العلاجات للمحتاجين، تتطلب المواجهة حزمة إجراءات صارمة وعملية، ترتكز على التحول الرقمي الشامل بربط جميع مخازن الأدوية المركزية في وزارة الصحة بصيدليات المستشفيات والدوائر عبر نظام رقمي موحد يسجل حركة الدواء لحظة بلحظة؛ فلا يمكن إخراج أي علبة دواء من دون مسح "الباركود" الخاص بها وارتباطها برقم الهوية الوطنية للمريض والوصفة الطبية الإلكترونية.
ويتوجب تشكيل فرق تحقيقية وتفتيشية عليا مستقلة ومرتبطة بمكتب رئيس مجلس الوزراء أو هيئة النزاهة مباشرة، تقوم بزيارات مفاجئة ومستمرة لمستودعات الأدوية وصيدليات المستشفيات والدوائر في بغداد والمحافظات، وإعادة النظر بآليات الرقابة الداخلية للمؤسسات الصحية وذلك بتقليص البيروقراطية وجعل لجان جرد المخازن دورية ومتبدلة باستمرار لمنع تكوين علاقات ومصالح قديمة بين المسؤولين عن المخازن.
ومن الضروري تشديد العقوبات القانونية وتفعيل قنوات الإبلاغ الآمن وتجريم سرقة الأدوية الحكومية والمستلزمات الطبية وعدها "خيانة عظمى" لما تمثله من تهديد مباشر لحياة الناس، مع توفير نظام حماية فعلي للمبلغين من الملاكات الطبية النزيهة التي ترغب بكشف الفساد من دون التعرض للتهديد. ويتوجب إصلاح نظام الدعم الدوائي للفقراء بضمان توفير حصص كافية وثابتة للمرضى المسجلين في قوائم الرعاية الاجتماعية وذوي الدخل المحدود بوساطة بطاقات تعريفية ذكية تضمن حصولهم على حقهم الدوائي حصرا من دون الحاجة للجوء للسوق السوداء.
إن المشكلة الحقيقية لم تك يوما في غياب الحلول الفنية أو العجز عن ابتكار المعالجات، بل في فجوة الإرادة السياسية وهيمنة منطق المحاصصة والتقاسم الذي يعطل إنفاذ القانون، ويجعل المؤسسات الرقابية والخدمية رهينة لتوازنات القوى السياسية لا لمصلحة السكان.
عندما يكون المسؤول الأول أو الوزير منشغلا بإرضاء الكتلة أو الحزب الذي جاء به، تصبح الإصلاحات الجذرية مثل لأتمتة الشاملة وربط سلاسل الإمداد تهديدا لمصالح شبكات النفوذ والفساد المستفيدة من استمرار الفوضى الإدارية، فالشفافية التحتية التي يجب تطبيقها تكشف أماكن الخلل وتغلق منافذ الهدر والسرقة، وهذا ما تخشاه تلك الشبكات تماما.
من هنا، تكتسب الزيارات الميدانية لوزير الصحة أهميتها الاستثنائية بوصفها محاولات فردية لكسر الجمود البيروقراطي والاطلاع المباشر على الحقيقة بعيدا عن التقارير المزورة التي ترفعها دوائر الإدارة المحلية، لكنها بكل تأكيد تبقى غير كافية ما لم تتحول إلى سياسة حكومية مؤسسية عليا تحظى بغطاء سياسي حقيقي يحمي الإصلاحيين ويحاسب الفاسدين من دون استثناء.