شفق نيوز- ترجمة خاصة

أكد معهد "تشاتهام هاوس" البريطاني، مساعي كل من العراق وسوريا ولبنان إلى استغلال موقعها الجغرافي الواقع بين أوروبا والخليج، لتعزيز ترابطها عبر شبكات من خطوط أنابيب النفط والغاز والطرق البرية والسكك الحديدية والممرات الرقمية، مشيراً إلى أن هذه الدول كانت تشكل ركائز أساسية في النظام الإقليمي الذي تقوده إيران، لكن حكوماتها الثلاث أصبحت الآن تسعى إلى تحقيق درجة أكبر من السيادة.

وذكر "تشاتهام هاوس"، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن أزمة مضيق هرمز تساهم في تسريع وتيرة إعادة تشكيل المنطقة بشكل واسع، في ظل تخطيط كل من العراق وسوريا ولبنان لإنشاء خطوط أنابيب نفط وممرات نقل جديدة، إلا أن إمكاناتها في اغتنام هذه الفرصة تعتمد في نهاية المطاف على تطبيق إصلاحات أوسع.

وأشار التقرير، إلى أن الحرب على إيران، وما تسببت به من اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، كشفت عن هشاشة طرق التجارة والطاقة القائمة، كما أنها زعزعت توازن القوى القديم في منطقة الشرق الأوسط، مبيناً أن الدول الثلاث، العراق وسوريا ولبنان، تحاول تحقيق ذلك في ظل ظروف شديدة الصعوبة، إذ تواجه احتلالات خارجية وعمليات عسكرية، بالإضافة إلى معاناتها من الفساد المنتشر والأنظمة السياسية المفككة التي تتيح للجماعات المسلحة نفوذاً واسعاً.

ولهذا، يرى أن قدرة الدول الثلاث على اغتنام هذه الفرصة لتعزيز ترابطها وتحقيق سيادة أوسع، لن تعتمد على البنية التحتية التي تشيدها فحسب، وإنما أيضا على مدى قدرتها على إصلاح مؤسسات الدولة، لتمكينها من إدارة هذه البنية التحتية بفاعلية.

ولفت إلى تأثر العراق بشكل كبير باضطرابات مضيق هرمز، موضحاً أن سوريا ولبنان أقل تأثراً، نظراً لكونهما لا يعدان من كبار مصدري النفط وتمتعهما بمنافذ على البحر الأبيض المتوسط، وأن الأزمة دفعت إلى احتمالية إعادة تشكيل أوسع لخطوط التجارة والطاقة في المنطقة، في ظل بحث دول مثل العراق عن بدائل جديدة.

وتابع التقرير، قائلاً إن بيروت ودمشق تتمتعان بفرصة لترسيخ مكانة موانئهما وشبكات النقل لديهما كبوابات حيوية تربط بين الخليج والأسواق الأوروبية، وذلك في إطار نظام تجاري إقليمي تتم إعادة تشكيله.

خط أنابيب العراق - سوريا

ونوه إلى أن العراق يعمل على مسارات متعددة لتنويع طرق تصديره، حيث تحاول بغداد زيادة الصادرات عبر ميناء جيهان التركي المطل على البحر المتوسط، كما تبحث إمكانية إحياء مشروع طالما تعطل لمد خط أنابيب إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، في حين يعمل العراق وسوريا على مشروع لخط أنابيب جديد ينقل النفط العراقي غربا نحو البحر المتوسط، وهو ما يوفر بديلا آخر لبغداد يقلل من اعتمادها المفرط على تصدير النفط عبر مضيق هرمز، مضيفاً أن إدارة ترمب تدعم هذه الخطة كجزء من استراتيجية تهدف إلى تقليص النفوذ الإقليمي لإيران من خلال تنويع مسارات التصدير بعيداً عن مضيق هرمز.

وبحسب التقرير، فإن الشبكة الجديدة، التي تبلغ طاقتها الأولية المقترحة نحو مليوني برميل يومياً، ستسمح للعراق بتحويل جزء كبير من صادراته بعيداً عن مضيق هرمز، ما يحد من ورقة الضغط التي تمتلكها إيران، مبيناً أن هذا المشروع سيعمل على تنويع المسارات، ولن يكون بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز، حيث تمر من المضيق معظم صادرات النفط العراقي إلى الأسواق الآسيوية، وخصوصاً الصين والهند، وهي أسواق يسهل الوصول إليها من الخليج بسرعة أكبر مقارنة بالوصول إليها عبر البحر المتوسط.

وإلى جانب ذلك، قال التقرير إن لبنان وسوريا يبحثان أيضاً إمكانية إعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية التي قد تربط، في نهاية المطاف، الساحل اللبناني عبر الأراضي السورية بكل من العراق وتركيا ومنطقة الخليج.

وأضاف أن الخط قد يربط ميناء طرابلس اللبناني بمدينة حمص السورية، وهي خطوة قد تشكل بداية محتملة لإعادة سوريا إلى دورها كدولة عبور، مع تحويل طرابلس إلى بوابة محتملة على البحر المتوسط، مؤكداً فإن الترابط الإقليمي يسعى أيضاً إلى أن يشمل المجال الرقمي، حيث تستهدف شبكات جديدة للألياف الضوئية تمر عبر العراق وسوريا، توفير مسارات برية بديلة لدول الخليج لنقل كميات هائلة من البيانات التي تنتقل حاليا عبر كابلات بحرية عرضة للمخاطر.

وبين التقرير، أن هناك فجوة كبيرة بين الطموح والواقع، موضحاً أن العراق وسوريا ولبنان يتقدمون في مشاريع البنية التحتية هذه في ظل حرب لا يملكون السيطرة عليها، وفي ظل مواجهتهم لاحتلالات أو تدخلات خارجية.

ووفق التقرير، فإنه إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، واستيلاء إسرائيل على منطقة عازلة في الجنوب السوري، تحولت البنية التحتية للطاقة في أنحاء الشرق الأوسط إلى هدف رئيسي للهجمات، حيث تم تسجيل أكثر من 100 هجوم استهدفت منشآت الطاقة خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، فيما هاجمت إيران منشآت للطاقة في منطقة الخليج، بينما استهدفت إسرائيل مستودعات لتخزين الوقود وبنية تحتية للغاز داخل الأراضي الإيرانية.

كما لفت إلى أن إيران تدعم جماعات مسلحة في العراق ولبنان بمقدورها تهديد البنية التحتية الحيوية، مثلما جرى، على سبيل المثال، ضد حقل خور مور للغاز العراقي، والإغلاق المؤقت لخط أنابيب النفط السعودي "شرق-غرب"، المصمم للحد من اعتماد الرياض على مضيق هرمز، بينما شن الحوثيون هجمات على ناقلات نفط سعودية وسيطروا على الساحل المطل على مضيق باب المندب.

وأوضح التقرير، أن التهديد الذي يواجه البنية التحتية لا يقتصر على الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، مذكراً في ذات الوقت بأن إسرائيل استهدفت مراراً البنية التحتية لقطاع النقل خلال الصراع الحالي، بما في ذلك في لبنان، وهو ما يظهر كيف يمكن للصراع أن يعرقل التشابك المأمول.

واعتبر أن الفساد المستشري يمثل عقبة أخرى، مؤكداً أن العراق ولبنان وسوريا تحتل ذيل قائمة "مؤشر مدركات الفساد" الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

ورأى التقرير، أن ذلك يرتبط أيضاً بحالة التشرذم التي تعاني منها هذه الدول، إلا أن السلطة في كل من العراق وسوريا ولبنان تظل مشتتة بين فصائل سياسية ومؤسسات متنافسة وجهات مسلحة فاعلة، ما يجعل الحكومات عاجزة عن ضمان أمن المشاريع وتمويلها، في ظل وجود أطراف متعددة بمقدورها عرقلة إنجازها أو انتزاع مكاسب ريعية منها، مما يخلق فجوة كبيرة بين حجم الطموح والقدرة على تحقيقه على أرض الواقع.

ترابط لا يضمن السيادة

وأكمل التقرير، قائلاً إن الحرب عززت من القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي لكل من العراق وسوريا ولبنان، موضحاً أنه في ظل بحث الدول والشركات عن بدائل لمضيق هرمز، فإن هذه الدول الثلاث تؤمن ممرات بديلة محتملة تربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا، إلا أن قدرة الدول الثلاث على استغلال هذه الفرصة ستحدد ما إذا كانت هذه الدول قادرة على صياغة النظام الإقليمي لمرحلة ما بعد الحرب، أم أن هذا النظام ستتم صياغته مجددا بمعزل عن إرادتها أو دون مشاركتها الفاعلة.

وخلص إلى القول إنه "الربط لا يعادل السيادة"، مشيراً إلى أن بإمكان خطوط الأنابيب والسكك الحديدية وممرات التجارة الجديدة أن توفر لهذه الدول بدائل عن علاقات التبعية التي ميزت النظام القديم، إلا أنها وحدها لا تكفي لتحقيق السيادة، حيث يتطلب الأمر وجود مؤسسات متمكنة بمقدورها إنجاز هذه المشاريع وحمايتها.

وختم التقرير حديثه بالقول: "في حال أراد كل من العراق وسوريا ولبنان استغلال الفرص التي يتيحها النظام الإقليمي المتغير، فإنه يتحتم عليهم القيام بما هو أكثر من مجرد إنشاء طرق جديدة عابرة للحدود"، موضحاً أنه "ينبغي لهم بناء دول قادرة على إدارة هذه الروابط الجديدة، مع ضمان وصول منافعها إلى عموم السكان، لا إلى النخب وحدها".