في ظل غموض حدود الإعلام المهني والظهور المنظّم لظاهرة "إعلام الظل"، تواجه الصحافة في العراق حالياً أزمة بنيوية عميقة تمسّ استقلالها ودورها في بناء الوعي العام. وتتفاقم هذه الأزمة مع التراجع عن الوعود الديمقراطية وضعف الحماية المهنية؛ فحتى قانون حقوق الصحفيين لسنة 2011 لم يتحول إلى درع كافية لحمايتهم، بل استمر استخدام بعض نصوص "قانون العقوبات"، الذي صدر في عهد البعث، في ملاحقتهم.

لم يحصل الصحفي العراقي على حرية مهنية تتيح له إيصال الحقيقة إلى المجتمع باستقلال، ولم يُسكت تماماً كما كان يحدث في العهود المظلمة الماضية، بل وجد نفسه بين مطرقة الإعلام الحزبي وهيمنة المال السياسي، وسندان التضليل وضياع الحقائق. وفي ظل هذه الظروف، يعمل كثير من الصحفيين الأكفاء خارج منظومة الضمانات المهنية والعقود الرسمية.

وهذه معاناة تثقل الضمير المهني؛ إذ يتوجب على الصحفي مواجهة نفوذ القوى المختلفة، وفي الوقت نفسه تأمين قوته اليومي تحت وطأة الخوف والملاحقة القانونية، ومن دون حماية مهنية كافية.

وإلى جانب ضعف حماية الصحفي المهني، يبرز خلل آخر في معايير منح الصفة الصحفية؛ إذ مهّد التساهل في هذه المعايير لحصول مئات الأشخاص غير المؤهلين على هويات صحفية، وظهور صفحات تتخذ من الميكروفون والشعار واجهةً إعلامية، من دون الالتزام بأصول المهنة.

وبحسب الإحصاءات الرسمية، هناك أكثر من 20 ألف صحفي في العراق وإقليم كوردستان، لكن هذا الرقم وحده لا يوضح عدد الممارسين الفعليين ومستويات خبرتهم. وهناك أيضاً أكثر من 100 قناة تلفزيونية، ومئات المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، يحمل بعضها برامج وأهدافاً لا تنسجم مع المصلحة العامة، فيما تبقى مصادر تمويل بعضها مجهولة. غير أن هذه الكثرة لم تضمن استقلال العمل الصحفي، في ظل الانقسام العميق والاستقطاب الحاد في المشهد الإعلامي.

إن منح الهوية الصحفية لشخص لا صلة له بالفكر والقلم وقيم المهنة وأخلاقياتها، ليس مجرد خطأ إداري أو تقصير عابر من النقابة والجهات المعنية، بل مدخل إلى تراجع مكانة الإعلام. فعندما توضع هذه المهمة المقدسة بين أيدي أشخاص غير مؤهلين، تتجاوز أضرار ذلك الأوساط الإعلامية، لتزرع شكاً عميقاً لدى الجمهور تجاه الرسائل الإعلامية.

وتفتح هذه الفوضى الباب أمام انتشار المعلومات المضللة والابتزاز الإعلامي، وتقوّض الأمن النفسي والفكري للمجتمع. وهي تكشف، في الوقت نفسه، خللاً في معايير المهنة وآليات حمايتها لدى النقابة والجهات المعنية.

إن دعوة أشخاص يفتقرون إلى المهنية وأخلاقيات العمل تحت مسمى "صحفيين"، للمشاركة في حرب الميكروفونات داخل المؤتمرات الصحفية للمؤسسات الحكومية، ومنحهم الأموال، تعكس ضعفاً في رؤية دوائر الإعلام الحكومية. فبدلاً من الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، تكتفي بعض هذه الدوائر بالأرقام والمظاهر، وتمنح الحضور والصفة الصحفية لأشخاص ومنابر لا يملكون سجلاً مهنياً، أو يتخذون من الأخبار المختلقة وسيلة للترويج والابتزاز.

وهنا، لا تقتصر المشكلة على الجانبين السياسي والأمني؛ فاستخدام "المال السياسي" داخل الوسط الإعلامي، وتسهيل الطريق أمام غير المهنيين، أسهما في تشويه ميدان العمل الإعلامي المستقل. ولا يقتصر الانشغال بالصورة والحضور على مواقع التواصل الاجتماعي على بعض أفراد الجيل الجديد؛ إذ يبدو أن عدداً غير قليل من المسؤولين أصيب بالعدوى ذاتها، فأصبح الحضور الرقمي عندهم معياراً يطغى على الكفاءة المهنية.

وإذا كان لا بد من اتخاذ خطوة جدية للإصلاح، فإن تطوير التشريعات لحماية الحقوق المهنية وضمان تطبيقها أصبح ضرورة. فالمطلوب ضوابط واضحة لمنح الهوية الصحفية، تمنع استغلالها وتحمي مكانة المهنة، حتى لا تتحول إلى غطاء لأصحاب ميكروفونات وشعارات إعلامية تُشترى بثمن بخس، بينما تكون الأضرار الناجمة عن ممارساتهم فادحة.

ومن الناحية العملية، ينبغي لنقابة الصحفيين والأقسام المرتبطة بالإعلام الحكومي أن تشكّل سداً أمام الابتزاز والتضليل واستغلال الصفة الصحفية، وأن تتمسك بأخلاقيات المهنة وأصولها، مع حماية حق الصحفيين المستقلين في العمل والنقد.

وفي العراق اليوم، قد يُصنع المظهر الصحفي خلال ساعات معدودة؛ إذ يكفي شراء ميكروفون، وطباعة بطاقة تعريفية، وإطلاق صفحة رقمية، ليتصدر الشارع شخص لا يملك خبرة أو التزاماً بأصول المهنة. وهكذا تُختزل سنوات من التعلم والعمل وبناء المصداقية في أدوات وشعارات تمنح أصحابها حضوراً أسرع من قدرتهم على تقديم عمل صحفي يستحق الثقة.

ولم تعد هذه الفوضى حبيسة الشاشات، بل تجاوزت العالم الافتراضي، وأضحت تجوب الشوارع بميكروفونات وشعارات لا تسندها ممارسة مهنية. وحين تجد هذه الفوضى من يمولها ويمنحها الحضور، تتحول إلى فوضى منظّمة تضرب الضمير الجمعي للمجتمع.

وفي أتون هذا المشهد، يقع العبء الأكبر على الصحفيين المهنيين؛ فعندما تتلاشى الحدود بين حامل الرسالة وممتهن الابتزاز، يضطر الصحفي إلى الدفاع عن صدقيته وعن معنى مهنته. وقد يكون ثمن الميكروفون والشعار بخساً، لكن ثمن فقدان الثقة بالإعلام يدفعه المجتمع كله.